طوّرها “بيرقدار” صهر أردوغان.. هكذا تحوّلت تركيا إلى منـ.ـافس عالمي بصناعة الطائرات بعد “الغـ.ـش” الإسرائيلي والـ.ـرفض الأمريكي

مدى بوست – متابعة

نشر موقع ميدان التابع لشبكة الجزيرة، تقريراً مطولاً تحدث فيه عن رحلة تركيا مع الطائرات المسيرة “بدون طيار” على مر السنوات.

ويأتي التقرير الذي نشرته الجزيرة، بالتزامن مع ظهور فعالية كبيرة لطائرات مسيرة تركية تشارك في عملية درع الربيع التي بدأتها أنقرة في 27 فبراير/ شباط 2020 ضـ.ـد نظام بشار الأسد.

وفيما يلي نستعرض معكم التقرير المطول الذي يروي قصة تطوير تركيا لهذه الطائرات التي تحولت فيما يبدو إلى رقم صعـ.ـب في الصناعات الدفاعية التركية.

في 15 (أغسطس/آب) عام 2018، كان “إسماعيل أوزدن”، القيادي التركي البارز في حزب العمال الكردستاني والمسؤول عن عمليات الحزب في سنجار شمال العراق، يحضر مراسم تذكارية بالقرب من قرية كوتشو الواقعة على مسافة 15 كيلومترا جنوب سنجار.

وبينما كان “أوزن” يغادر الحفل التذكاري نجحت المخابرات التركية في رصـ.ـد موقعه من خلال مراقبة هواتف مساعديه التي تعمل عبر الأقمار الصناعية، وتمكّنت في النهاية من تحديد موقعه بدقة داخل شاحنة بيضاء ضمن قافلة لحزب العمال تسير فوق إحدى الطرق السريعة في المنطقة.

ومع كون أوزدن، أو “زكي شنكالي” كما يُحب أنصاره أن يلقبوه، أحد أبرز المطلوبين على القوائم الحمراء للسلطات التركية، لم يكن ما حدث بعد تحديد موقعه مفاجئا، حيث تولّت طائرة بدون طيار تركية الصنع من طراز “بيرقدار تي بي 2” مهمة مراقبة قافلة “أوزدن” وتتبُّعها قبل أن تُطـ.ـلق قنـ.ـبـ.ـلـ.ـة مـ.ـوجـ.ـهة بالليزر على شاحنته الصغيرة.

وظلّت الدرون التركية تـ.ـراقب زملاء القيادي الكردستاني وهم ينقلونه إلى سيارة أخرى حمراء، وبينما كانت السيارة الثانية تشـ.ـق طريقها نحو قاعدة مُحصَّـ.ـنة لحزب العمال، أطلـ.ـقـ.ـت الطائرة ضـ.ـربتـ.ـها التالية وقـ.ـتـ.ـلـ.ـت على الفور أوزدن وعشرة أشخاص آخرين برفقته.

على مدار الأيام التالية، تصدر التسجيل المرئي غير العادي الذي أصدرته السلطات التركية نفسها للعملية عناوين الأخبار في البلاد مع إشادة واضحة شعبية بما حدث، وفخر من الأتراك لا يمكن تجاهله بالتقدُّم الذي أحرزته دولتهم في مجال الطائرات بدون طيار، وهو ما وفَّر فرصة لا تُقدَّر بثمن للشعب لممـ.ـارسـة طقوس الفخر الوطني الملـ.ـحـ.ـمية بنكهة لم تخلُ من حداثية.

وأتى ذلك على إثـر انتشار(1) عدد من ألعاب الحاسوب المرتبطة بالدرونز التركية لتُلاقي رواجا واسعا بين الشباب التركي، منها لعبة يقوم فيها المشارك بمحاكاة طلـ.ـعات جوية بالطائرات بدون طيار على مدينة عفرين السورية، بخلاف لعبة أخرى طورتها الشركة التركية لصناعات الفضاء باسم “العملية أنكا”، نسبة إلى الطائرة المُسيَّرة التي تُنتجها الشركة بالاسم ذاته، وخلالها يقوم اللاعب بممـ.ـارسـ.ـة سيناريوهات مختلفة لـ “الحـ.ـرب على الإرهـ.ـاب”، وتنظيم مهام الدرونز سواء لأغراض الاستطلاع أو تقديم الدعم للقوات البرية.

تتجـ.ـاوز الدرونز الجديدة في تركيا إذن حد كونها مجرد سـ.ـلاح عسـكـ.ـري أو حتى قضـ.ـية سياسية، لتتحوَّل للمفارقة إلى شعـ.ـلة مُلـ.ـهِـ.ـبة للحماس الشعبي الوطني، وهو توجُّه يبدو أن الحكومة التركية قرَّرت تبنّيه منذ منتصف العقد الماضي.

وتحديدا منذ اللحظة التي قرَّر فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يجعل تطوير صناعة الدفاع الوطنية إحدى أولوياته الرئيسة ويسن إصلاحات دستورية لهذا الغرض تم إقرارها خلال الاستفتاء على الدستور التركي في شهر أبريل/نيسان عام 2016، وتم بموجبها منح سلطة الإشراف على صناعة الدفاع والمشتريات الدفاعية للرئاسة، ليكتمل بذلك الإطار القانوني لمشروع “أردوغان” لإنتاج الأسـلـ.ـحـ.ـة محلية الصنع.

غير أن طموحات تركيا لإنتاج الأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة محليا تسبق هذه اللحظة بكثير، فمنذ سبعينيات القرن الماضي كان لدى المسؤولين الأتراك شكـ.ـوك كبيرة حول الآثـ.ـار السـ.ـلبـ.ـية للاعتماد على الأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة الأميركية والغربية.

وهو شعور تعزَّز بشكل واضح خلال الأعوام الأخيرة بعد أن رفـ.ـضـ.ـت هذه الدول العديد من الطلبات التركية للحصول على أسـ.ـلـ.ـحـ.ـة متطورة، كما حدث في عام 2014 حين رفـ.ـض الكونغرس الأميركي نقل فرقـ.ـاطتين من طراز “أوليفر هازارد بيري” إلى تركيا بسبب موقف أنقرة “الـ.ـعـ.ـدائـ.ـي” تجاه إسرائيل.

والأهم من ذلك الـحـ.ـظـ.ـر طويل الأمد الذي فـ.ـرضـ.ـته واشنطن على تصدير الطائرات بدون طيار للعديد من الدول وفي مُقدِّمتها تركيا أيضا.   

فحتى عام 2015 كانت الدرونز الأميركية تمتلك هيـ.ـمـنة مطلـ.ـقـ.ـة على سماوات العالم، هيـ.ـمـ.ـنة بدأت منذ اللحظة التي أطلـ.ـقـ.ـت فيها واشنطن أول هـ.ـجـ.ـوم مُسجَّل بالدرونز الـ.ـمـ.ـسلـ.ـحـ.ـة في أفغانستان عام 2001، لكن ذلك تغيَّر خلال الأعوام الخمس الأخيرة مع تحقيق العديد من القوى الأخرى اخـ.ـتـ.ـراقـ.ـات في مجال تصنيع الدرونز وفي مُقدِّمتها الصين، وتركيا التي تُعَدُّ اليوم إحدى أبرز القوى العالمية في هذا المجال.

هناك العديد من الأسباب التي ربما دفعت أنقرة لوضع تصنيع الدرونز في قلب خطتها الكبيرة لإنتاج الأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة محليا، فمن ناحية(2) تُعَدُّ الدرونز سـ.ـلا حـ.ـا فعالا على المستوى الإستراتيجي والتشغيلي، بخـ.ـلاف كونها غير مُكلِّفة مقارنة مع الأسلـ.ـحـ.ــة التقليدية وفي مُقدِّمتها الطائرات النـفـاثة.

ومن ناحية أخرى، ومع كون تصنيع الدرونز يُعَدُّ امتيـ.ـازا حصريا لعدد قليل من الدول يمكن حصـ.ـرها على أصابع اليد الواحدة، فإن النجاح في اختـ.ـراق هذا المجال وفَّر لأنقرة السمعة العالمية التي تحتاج إليها كعضو جديد في نادي الدول المُصنِّعة والمُصدِّرة للأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة.

وفي هذا السياق، ورغم أن صادرات تركيا الدفاعية لم تتجـ.ـاوز بعد 3% من حجم صادرات الأسلـ.ـحـ.ـة العالمية (وهم رقم تضاعف مرتين على الأقل مقارنة بعام 2016)، يبدو أن أنقرة مُصمِّمة على زيادة حصتها في هذا المجال مدفوعة بطمـ.ـوحـ.ـات واسعة لتأسيس صناعة دفاع محلية قوية، ويبدو أن الدرونز بمختلف أنواعها ستُواصل لعب دور رأس الحـ.ـربـ.ـة في هذه الجهود غير المسبوقة.

منذ عام 1975 كان لتركيا علاقة غير مريحة مع الولايات المتحدة بسبب قيام الأخيرة بفـ.ـرض عقـ.ـوبـ.ـات على تصدير الأسلـ.ـحـ.ـة إلى الأولى بعد دخولها إلى قبرص ردا على الانـقـ.ـلاب العسكـ.ـري المدعوم من اليونان في الجزيرة.

الطائرة الأولى

وكان لهذا التـ.ـوتـ.ـر مع واشنطن تأثير طويل الأمد على سلـ.ـوك أنقرة التي أصبحت أقل ثقة في الدعم العسكـ.ـري الأميركي، ونتيجة لذلك وعلى مدار العقد التالي قام الأتراك بتأسيس عدد من الشركات المحلية للصناعات الدفاعية ركَّز معظمها على إنتاج الـذخـ.ـا ئـ.ـر والأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة الصغيرة، في حين عمل بعضها -مثل الشركة التركية لصناعات الفضاء (TAI)- على مشروعات أكبر مثل إنتاج الصـ.ـواريـ.ـخ المُـ.ـوجَّـ.ـهة والطائرات.       

الطائرة التركية بدون طيار أنكا (الأناضول – ميدان)

ورغم ذلك، وبفعل القيـ.ـود المُشدَّدة التي فـ.ـرضـ.ـتها واشنطن على تصدير تكنولوجيا الطائرات بدون طيار على وجه الخصوص، فإن أنقرة دخلت(3) عصر الدرونز للمرة الأولى من الباب التقليدي نفسه حين قامت عام 1996 بشراء 6 طائرات بدون طيار من طراز (GNAT 750 s) التي تُنتجها شركة جنرال أتوميكس الأميركية، وهي درونز محـ.ـدودة الإمكانات تُستخدم لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات وظَّفها الأتراك لجمع المعلومات عن عناصر حزب العمال في محافظات جنوب شرق تركيا.

حيث استــ.ـغـل الإرهـ.ـابيون الممرات الجبلية الـ.ـوعـ.ـرة للتهـ.ـرُّب من قوات الأمن التركية، وقد كانت استفادة تركيا من المعلومات التي تُقدِّمها الطائرات الأميركية محدودة جدا بسبب الزمن الذي يستغـ.ـرقه نقل البيانات من الطائرة لمراكز العمليات ثم تقييم هذه المعلومات ومدى جودتها قبل اتخاذ قرار بتوجيه ضـ.ـربـ.ـة جوية باستخدام الطائرات الحـ.ـربـ.ـية.

لاحقا، عام 2006، طلبت تركيا الحصول على طائرات بدون طيار مسـ.ـلـ.ـحـ.ـة من طراز “هيرون” من إسرائيل التي كانت تستخدم الطائرات العسكـ.ـرية بدون طيار منذ السبعينيات.

لكن الأمر استغـ.ـرق خمس سنوات كي تقوم تل أبيب بتقديم الطائرات لأنقرة، قبل أن تتـ.ـهـ.ـم الأخيرة الإسرائيليين بتخـ.ـريب محركات الطائرة وأنظمة التصوير عن بُعد وتُعيدها من أجل عملية إصـ.ـلاح استغـ.ـرقـ.ـت هي الأخرى بضع سنوات، وحتى بعد استعادة الأتراك للطائرات -التي كان يتم تشغيلها بالاستعـ.ـانة بفنيين إسرائيليين- ظلّ المسؤولون مُتشـ.ـكِّكـ.ـين في أن اللقطات التي يتم جمعها من هذه الطائرات تجد طريقها سـ.ـرا لأيدي الاستخبارات الإسرائيلية.

وهي شكوك تفـ.ـاقـ.ـمت بشكل خاص بعد القطـ.ـيـ.ـعـ.ـة الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب بعد أحـ.ـداث السفينة “مرمرة” عام 2010 حين قامت إسرائيل بقـ.ـتـ.ـل تسعة مواطنين أتراك على متن السفينة التي كانت تحاول كـ.ـسـ.ـر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.

ومع إدراك أنقرة لهذه الحقائق بدأت ببذل جهود مبكرة لتدشين برنامج محلي لصناعة الدرونز، وتُشير التقديرات إلى أن تركيا بدأت في العمل على تصميم هيكل الطائرات والبرمجيات وأنظمة الاتصالات منذ أوائل التسعينيات.

لكن البداية الفعلية لهذا المسار حدثت عام 2004 حين طـ.ـرح الجيش التركي مناقصة حكومية لتصميم وتطوير طائرة بدون طيار متوسطة الارتفاع عالية التحمُّل (MALE) فازت بها الشركة التركية لصناعات الفضاء (تاي) التي أطلـ.ـقـت في ذلك الحين طائرة بدون طيار باسم “أنكا”، درون يقال إنها كانت قادرة على الطيران على ارتفاع يصل إلى 30 ألف قدم لمدة تصل إلى 24 ساعة.

لكن أول رحلة لـ “أنكا” عام 2010 لم تسر بشكل جيد، حيث تحـ.ـطـ.ـمت الطائرة بعد مرور عشر دقائق من إقلاعها، وبخـ.ـلاف ذلك اعتمدت الطائرة على موجات الراديو في نظام الاتصال الخاص بها، ما قلّل من مدى الاتصال، وحدّ من معدل نقل البيانات، ومن ثم قـ.ـلّـ.ـص من فائدة الطائرة بشكل عام.

وبالتزامن مع ذلك، واجهت(4) تركيا مشـ.ـكـ.ـلات لا تقل تعقيدا في استيراد المحركات والقطع التقنية اللازمة لصناعة طائراتها الخاصة على إثر توقف شركة “Thielert” الألمانية التي كانت تورد المحركات لأنقرة عن العمل.

وإيقاف شركة المشتريات الصينية “AVIC International” هي الأخرى تصدير المحركات العسكـ.ـرية، ما دفع الأتراك لإطـ.ـلاق برنامج لتصنيع محرك محلي، لكن هذه المشـ.ـكـ.ـلات لم تُوقف جهود تطوير “أنكا” بشكل كامل، حيث نجحت الطائرة التركية في القيام بأول رحلة ناجحة لها قبل نهاية عام 2011، وبحلول عام 2013 كانت طائرات “أنكا” قد تم قبولها للعمل من قِبل القوات الجوية التركية.

طائرات تركية بدون طيار

ورغم ذلك كله فإن المشكـ.ـلـة الرئيسة بالنسبة لتركيا كانت في أن “أنكا” مثلها مثل “هيرون” لم تكن درونز مسلـ.ـحـ.ـة، ما يعني أن الحلقة الـنـ.ـاقصة في سلسلة التشغيل بين جمع المعلومات وتنفيذ العمليات وقتها لا تزال مفقـ.ـودة.

وبدا ذلك الـخـ.ـلل واضحا عام 2011 على سبيل المثال حين قام مئـ.ـات من عناصر حزب العمال الكردستاني بـ.ـشـ.ـن هـ.ـجـ.ـمـ.ـات متزامنة على قواعد تركية في مقاطعة هكاري في الجنوب الشرقي في هـ.ـجـ.ـوم وُصف أنه الأبرز للحزب منذ عقود.

وفي حين أن طائرات “هيرون” كانت قادرة على نقل لقطات للـهـ.ـجـ.ـمـ.ـات من أعلى، فإنها لم تكن تملك أي أنظمة أسـ.ـلـ.ـحـ.ـة مدمجة للتدخل في المشهد، ووجدت تركيا نفسها في النهاية مضـ.ـطـ.ـرة للرد بشكل تقليدي عبر إرسال آلاف الجنود لـ.ـشـ.ـن عمليات برية عبر الحدود في العراق.

وبحلول عام 2015، اتخذت تركيا قرارا نهائيا بوقف الاعتماد على الحليف الأميركي “غير الموثوق” وخـ.ـوض سباق تسـ.ـلـ.ـح خاص بها ضـ.ـد واشنطن ودول الناتو، وكان تطوير طائرة بدون طيار مسـ.ـلـ.ـحـ.ـة هو الأولوية القصوى لتركيا في هذا السباق، وهو ما مهَّد الطريق لظهور الجيل الثاني من الدرونز التركية.

الأب الروحي

بدأت رحلة الجيل الثاني(6) من الدرونز التركية بالتوازي مع الجيل الأول تقريبا ولكن مع دعم حكومي أقل. ففي عام 2005، نجح شاب تركي يبلغ من العمر 26 عاما، درس الهندسة الكهربائية محليا، وحصل على درجة الماجستير من جامعة بنسلفانيا الأميركية، قبل أن يتقدَّم لدراسة الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نجح في إقناع مجموعة من المسؤولين الأتراك بحضور عرض صغير لطائرة بدون طيار محلية الصنع كان يعمل عليها بنفسه.

ومن أجل إقنـ.ـاع المسؤولين بتبنّي مشروعه فقد أخبرهم الشاب “سلجوق بيرقدار” أن زملاءه في معهد ماساشوستس يعملون على نماذج مماثلة لمشاريع عسكـ.ـرية أميركية.

وكما يُظهِر مقطع الفيديو الذي تم تداوله بكثافة في الأعوام الأخيرة، فقد شاهد المسؤولون الأتراك بأعينهم -لأول مرة ربما- طائرة بيرقدار الصغيرة وهي تُقـ.ـلـ.ـع من تلقاء نفسها وتُشـ.ـهـ.ـر أسلحـ.ـتـ.ـهـ.ـا الصورية قبل أن تنـ.ـحـ.ـدر بلطف في طريق الهبـ.ـوط وتستقر مجددا في أيدي بيرقدار.

ورغم ذلك يبدو أن المسؤولين الأتراك لم يقتـنـ.ـعوا كثيرا بالعرض الذي قدَّمه الشاب، الذي كان حتى ذلك التوقيت غير معروف لدى دوائر السلـ.ـطة في أنقرة رغم كونه يـنـ.ـحـ.ـدر من عائلة لها نشاط كبير في مجال صناعة السيارات في تركيا.

في وقت لاحق، قدَّم “سلجوق” بحثا علميا خاصا في معهد ماساتشوستس حوى خوارزمية لهبـ.ـوط طائرة بدون طيار في تضاريس وعـ.ـرة للغاية وحتى بشكل رأسي على الحائط.

لكن الشاب التركي قرَّر بحلول عام 2007 قطـ.ـع دراسته في المعهد الأميركي المرموق والعودة لتركيا للمشاركة في إدارة شركة العائلة “بيرقدار ماكينا”، وهي شركة متخصصة في مكونات السيارات تم إنشاؤها عام 1984 كجزء من جهود تركيا لتصنيع السيارات محليا، وبعد أن نجحت الشركة في الفوز بمناقصة طـ.ـرحـ.ـها الجيش التركي لتصنيع نموذج لطائرة صغيرة بدون طيار، أمـ.ـرت أنقرة في النهاية بتصنيع 19 وحدة منها ونشرها في محافظات جنوب شرق البلاد.

بفضل عمله الجديد مع الجيش وجد بيرقدار الفرصة أخيرا لاختبار نظرياته ونماذجه الجديدة ميدانيا، ونجح في إقناع الجنرالات بالوجود معهم في الميدان من أجل تدوين ملحوظات مُفصَّلة حول نوعية التقنيات المطلوبة لطائراته.

وبحلول عام 2015 نجح المهندس الشاب أخيرا في إجراء عرض ناجح للطائرات بدون طيار الأكثر تطوُّرا من طراز “بيرقدار تي بي 2″، التي جذبت انتباه الجيش التركي بشـ.ـدة بعد أن نجحت خلال تجارب الأداء في إصـ.ـابـ.ـة هدف على بُعد 8 كيلومترات باستخدام صـ.ـاروخ مُـ.ـوجَّـ.ـه تركي الصنع أثناء تحليقها على ارتفاع يبلغ 4 كيلومترات، وفي العام نفسه اكتسب بيرقدار خطوة شخصية كبيرة لدى الرئيس التركي بعدما تزوّج من ابنته الصغرى سمية أردوغان.

زفاف ابنه أردوغان “سمية” من “سلجوق بيرقدار” (مواقع التواصل)

خلال فترة قصيرة، أصبحت طائرات بيرقدار الجديدة العمود الفقري لقوات تركيا الجـ.ـوية بفضل قدراتها التقنية المرتفعة نسبيا، حيث تستطيع درونز بيرقدار اليوم التحليق على ارتفاع يصل إلى 24 ألف قدم (نحو 7.3 كيلومتر) لمدة تصل إلى 24 ساعة وتتمتع بمدى متوسط يُقدَّر بـ 15 كيلومترا.

وذلك مع قدرة على حمل حمولة يبلغ وزنها 55 كيلوغراما، ومع هذا التطور الملحوظ في قدرات الدرونز المحلية، قرَّرت أنقرة الاعتماد عليها كسـ.ـلاح رئيس في قـ.ـتـ.ـالـ.ـها ضـ.ـد المنظمات الإرهـ.ـابية في جنوب شرق البلاد وعلى حدودها مع العراق.

وبحلول يونيو/حزيران من العام الماضي 2019 كانت طائرات بيرقدار التركية قد حققت رقما قياسيا بواقع 100 ألف ساعة طيران خلال أقل من أربع سنوات، ووفقا لتقارير وسائل الإعلام التركية فإن الدرونز شاركت في غـ.ـارات جوية ضـ.ـد المنظمات الـكردية في 11 محافظة على الأقل في جنوب شرق تركيا، كما تم استخدامها في خمس عمليـ.ـات عبر الحدود في سوريا والعراق، آخرها عملية نبع السلام في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعملية درع الربيع التي تجري حالياً.

ومع النجاح الكبير الذي أثبتته الطائرة، خاصة في العمليات التركية، قرَّرت أنقرة توسيع نطاق استخدامها الدرونز على طول سواحل بحرَيْ إيجة والمتوسط، وهو ما تسبَّب في احتـ.ـكاكـ.ـات متتالية بين تركيا وبين قبرص واليونان من ناحية أخرى.

حيث اشتـ.ـكـ.ـت أثينا بالأخص من أن الدرونز التركية حلَّقت مرارا وتكرارا فوق جزرها في بحر إيجة، في حين أبدت قبرص في أكثر من مناسبة تـ.ـذمُّـ.ـرهـ.ـا من تحليق الدرونز التركية فوق سفن التنقيب عن الغاز التي أرسلتها تركيا لاستكشاف المياه المتـ.ـنـ.ـازع عليها بين قبرص واليونان.

وبخـ.ـلاف ذلك قدمت تركيا خلال العام الماضي ما لا يقل عن 12 طائرة من طراز بيرقدار إلى حكومة الوفاق الوطني الليبي المُعتَرف بها دوليا لمساعدتها في صـ.ـد الهـ.ـجـ.ـوم الذي شـ.ـنَّـ.ـه الجنرال “خليفة حفتر” وميليشـ.ـياتـ.ـه على طرابلس، في الوقت الذي دشَّـ.ـنت فيه أنقرة جهودا حثيثة لترويج طائراتها بدون طيار للدول المهتمة وفي مُقدِّمتها قطر وماليزيا وأذربيجان، قبل أن تنجح بالفعل في توقيع عقد لتصدير 12 طائرة بدون طيار متطورة إلى أوكرانيا.

بفضل هذه النجاحات اكتسبت الدرونز ثقة ومكانة كبيرة داخل الجيش، وتحوَّلت إلى أيقونة ثقافية خارجه لدرجة أن أردوغان نفسه حـ.ـرص على التقاط صور تذكارية مع درونز بلاده ووضع توقيعه على بعضها، وعلى الخُطى نفسها سار حُكّام المحافظات التركية خاصة في الجنوب الشرقي الذي يشهد تـمـ.ـردا من حزب العمال، وأصبحوا ضيوفا منتظمين على حظـ.ـائـ.ـر الدرونز التركية لتقديم المديح والثناء المتكرر للأيقونات الجديدة للعسكـ.ـرية التركية.

ونتيجة لهذا الاهتمام الرسمي والشعبي تلقّى برنامج الدرونز في تركيا دفعة كبيرة(8) خلال العامين الماضيين، حيث تضـ.ـاعف أسطول البلاد من طائرات بيرقدار من 32 طائرة عام 2017 إلى قرابة 94 طائرة قبل نهاية العام الماضي، نصفها على الأقل درونز مـ.ـسلـ.ـحـ.ـة.

وفي الوقت نفسه، نما حجم أسطول طائرات “أنكا” إلى 30 طائرة على الأقل، لتتحوَّل الدرونز إلى ركيزة أساسية لست منظمات أمنية وعسكـ.ـرية تركية على الأقل، وهي الجيش والقوات الجوية والبحرية والدرك (الشرطة العسكـ.ـرية) وجهاز الاستخبارات والمديرية العامة للأمن (الشرطة المدنية).

وقد دفع ذلك أنقرة لإنشاء شبكة خاصة من المواقع المهيأة لاستقبال الطائرات بدون طيار في جنوب شرق البلاد، وعلى طول حدودها مع سوريا وعلى سواحلها على بحر إيجة والبحر المتوسط.

وزوَّدت هذه المواقع بالتجهيزات اللازمة بداية من حظـ.ـائـ.ـر استقبال الطائرات إلى أبراج الطيران، واليوم يُقدَّر إجمالي عدد قواعد الدرونز في تركيا بتسع قواعد على الأقل، وتُعَدُّ هذه المرافق ضـ.ـرورية للغاية لتشغيل أسطول الدرونز التركي بالنظر لأن مدى معظم الطائرات المسيرة التركية لا يتجاوز مئة ميل في الوقت الراهن، ومعظمها يعتمد على أنظمة الاتصالات التقليدية وليس على الأقمار الصناعية.

لكن طفـ.ـرة الدرونز التركية لم تقتـ.ـصر على الزيادة في أعداد الطائرات وقواعد الدرونز فحسب، لكنّ مُطوِّري الدرونز الأتراك نجحوا في تحقيق قفـ.ـزات تقنية ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، ففي أغسطس/آب 2018 نفّـ.ـذت طائرات “أنكا” أول غـ.ـارة جوية يتم التحكُّم فيها عبر الأقمار الصناعية.

وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه أكملت “أنكا” أول رحلة بمحرك من إنتاج محلي، وفي عام 2019 كـ.ـسـ.ـرت كلٌّ من “بيرقدار” و”أنكا” سجلات التحمُّل الخاصة بهما وطارت كلٌّ منهما لمدة أطول من 24 ساعة، وفي العام نفسه كشف منتجا الطائرات بدون طيار الرئيسان في البلاد “بيرقدار ماكينا” وشركة الصناعات الفضائية التركية عن خطط لصناعة طائرات بدون طيار عالية الارتفاع مرتفعة التحمُّل (HALE) باسم “أكينسي” و”أكسونغور” على الترتيب، ليضعا بذلك تركيا على مشارف حيازة جيل جديد أكثر تطوُّرا من الدرونز المـ.ـسـ.ـلـ.ـحـ.ـة.

وتُعتَبر الطائرة “أكينسي” على وجه الخصوص خطوة طـمـ.ـوحة للغـ.ـاية في مشروع تركيا الـضـ.ـخم لإنتاج الدرونز، فمع محيط للطائرة من الجناح إلى الجناح يبلغ 20 مترا، وزمن تشغيل يتجاوز 24 ساعة وارتفاع يتجاوز 40 ألف قدم (نحو 15 كيلومترا)،

وحمولة تتراوح بين 450 إلى 900 كجم، وقدرة على حمل وإطـ.ـلاق صـ.ـوار يـ.ـخ كروز طويلة المدى وتجهيزات أخرى متطورة تشمل رادارا متطورا ونظاما خاصا للحـ.ـرب الإلكترونية وأنظمة اتصال فضائية، بكل ذلك فإن “أكسينسي” لن تكون فقط أول درون مسـ.ـلـ.ــحـ.ـة طويلة المدى في أسطول الدرونز التركي، ولكنها ستجعل طائرات “بيرقدار تي بي 2″ و”أنكا” تبدو بالمقارنة معها مجرد ألعاب بداـئية.

في ضوء ذلك، لم يكن من المستغـ.ـرب أن الحكومة التركية تولي أقـ.ـصى درجات الاهتمام لجهود شركة “بيرقدار ماكينا” ومشروع “أكينسي” على وجه الخصوص، اهتمام ظهر في قرار الرئيس التركي في سبتمبر/أيلول الماضي منح الشركة إعفـ.ـاء من الضـ.ـرائـ.ـب على الصادرات وضـ.ـريـ.ـبة القيمة المضافة، فضلا عن منحة تُقدَّر بـ 120 مليون دولار بهدف إنشاء مصنع جديد للدرونز، مع هدف واضح هو إنتاج 36 طائرة من طراز أكينسي خلال العامين القادمين.

هذا البرنامج التركي الكبير  لإنتاج الطائرات بدون طيار لا يمكن النظر إليه بحال بمـ.ـعـ.ـزل عن جهود أنقرة الأوسع لتأسيس صناعة دفاع محلية.

أردوغان وزوجته وصهره وبعض القادة قرب طائرة بدون طيار

ومن أجل تحقيق هذا الهـ.ـدف الضـ.ـخم تتعاون “بيرقدار ماكينا” مع شركة “Ukrspecexport” الأوكرانية لتزويدها بالمحركات التوربينية المتطورة التي لا تزال تركيا عـ.ـاجـ.ـزة عن إنتاجها محليا.

على أن تحصل كييف في النهاية على 12 وحدة من الطائرات المتطورة بعد اكتمال عملية الإنتاج، وفيما يبدو فإن المسؤولين في أنقرة يتـ.ـرقّـ.ـبون بشدة دخول الطائرة الجديدة للخدمة والتي يتم تعريفها على أنها “مقـ.ـاتـ.ـلـ.ـة أرض – جو بدون طيار” وليس طائرة بدون طيار تقليدية.

فمع القدرات المتطورة للطائرة في حمل القـ.ـنـ.ـابل وتوجيـ.ـهها بدقة وإـطـ.ـلاق الصـ.ـوار يـ.ـخ بمدى يبلغ 600 كيلومتر فمن المُرجَّح أنها ستحـ.ـل محل طائرات “إف – 16” في العمليـ.ـات التركية ضـ.ـد حزب العمال الكردستاني، فضلا عن كونها ستُوفِّر لأنقرة إمكانات مراقبة جوية منخـ.ـفضة التكلفة والمـ.ـخـ.ـاطـ.ـر على مدار الساعة في مناطق بحر إيجة وشرق المتوسط.

ومع هذه النجاحات الكبيرة، لا يمكن تجـ.ـاهل الإشارة إلى أن هذا البرنامج التركي الضـ.ـخـ.ـم والطموح لإنتاج الطائرات بدون طيار لا يمكن النظر إليه بحال بمـ.ـعزل عن جهود أنقرة الأوسع لتأسيس صناعة دفاع محلية يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

لذلك فإن مشروعات الصناعات الدفاعية التركية اليوم لا تقتـ.ـصر على الدرونز وإنما تشمل مجالات عدة تبدأ من المركبات والمـ.ـدرعـ.ـات البرية وتمر بالسفن البحرية ولا تنتهي عند المشاريع الفضائية الجوية.

ففي مجال الصناعات البحرية على سبيل المثال، أسست أنقرة عددا من المشروعات الضـخـ.ـمة وعلى رأسها “حوض بناء سفن إسطنبول” و”حوض البحرية المبارك لبناء السفن”، ونجحت في تأمين عقود تصدير بقيمة مليارات الدولارات مع باكستان وإندونسيا، وفي الوقت نفسه تقوم شركة “Sedef Shipbuilding” ببناء أول سفينة هـ.ـجـ.ـوم برمائية للبحرية التركية.

وهي الخطوة الأولى في مشروع طمـ.ـوح لإنشاء حاملة طائرات محلية، فيما تضـ.ـطـ.ـلع شركة الدفاع المرموقة “أوتوكار” بعدد من المشروعات الكبيرة مثل تصنيع دبابة “ألتاي” التي اكتسـ.ـبت سمعة جيدة في الأعوام الأخيرة، وتنشط شركة “أسِلسان” في مجال تصنيع الإلكترونيات الدفاعية وتقوم بتصدير منتجاتها لأكثر من 60 دولة حول العالم.

وتهدف أنقرة من خلال تنشيط صناعتها الدفاعية المحلية لتحقيق عدة أهـ.ـداف في آنٍ واحد، وكما تشير مؤسسة “ستراتفور” المرموقة للدراسات الاستخباراتية فإن أول هذه الأهـ.ـداف هو توفير الأموال وتحـفـ.ـيز النمو الاقتصادي للبلاد، فمع امتلاك تركيا لثاني أكبر قوة عسـكـ.ـرية في حلف الناتو فإن البلاد تحتاج إلى استثمارات ضخـ.ـمـ.ـة في المعـ.ـدات العسكـ.ـرية خاصة مع رغبتها في التخـ.ـلُّـ.ـص من المـ.ـعـ.ـدات القديمة التي تعود لزمن الـحـ.ـرب الباردة.

وفي هذا السياق فإن امتلاك صنـ.ـاعة دفاع محلية متطورة سيُوفِّر من عـ.ـبء الفـ.ـواتير البـ.ـاهظـ.ـة للإنفاق على المـ.ـعـ.ـدات الأجنبية، فضلا عن إسهامه في تنمية القطاع الصناعي المحلي واقتصاد البلاد ككل.

بجانب ذلك تسعى تركيا أيضا لتعزيز اكتفائها الذاتي والتحرُّر من هيمنة مورِّدي الغرب وخاصة الولايات المتحدة وألمانيا اللتين رفـ.ـضـ.ـتا عشرات الطلبات من أنقرة للحصول على الأسـ.ـلـ.ـحـ.ـة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وهو يجعل تقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية هدفا حيويا لأنقرة.

وأخيرا، ترغب أنقرة في استــ.ـغـ.ـلال صادراتها من الأسلـ.ـحـ.ـة كوسيـ.ـلة لتعزيز حضورها في محيطها الجغرافي وتقديم نفسها كحليف يمكن الوثوق به للعديد من الشركاء ضمن خطتها الأوسع لاكتساب النفـ.ـوذ.

على مستوى هذه الأهـ.ـداف جميعا يبدو أن خطة تركيا تؤتي ثمارها، وإن كان ذلك وفق جدول زمني أبـطـ.ـأ مما كانت تطـ.ـمـ.ـح إليه، سواء بسبب القيـ.ـود الاقتصادية أو المنـ.ـافسة الكبيرة  التي تلقاها كقـ.ـوة متوسطة تسعى إلى دخول مجالس الكبار.

ولكن في مجال الطائرات بدون طيار على وجه الخصوص يبدو أن أنقرة نجحت في إثبات حضور لا يمكن تجـ.ـاهـله، ويمكنها أن تفخر -ولن تكون مخطـ.ـئـ.ـة في ذلك أبدا- أنها كانت إحدى القـ.ـوى القليلة التي نجحت في كـ.ـسـ.ـر هيمنة الولايات المتحدة على السماء في زمان الدرونز العسكـ.ـرية.

المصدر: موقع ميدان.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق